النقوش الكتابية في الفن

على مر التاريخ، لم يُستخدم فن الكتابة العربية لتدوين ونسخ الكتب فحسب. فمنذ تطوره في القرن السابع الميلادي جرى استخدامه أيضا كعنصر زخرفي. امتلأت المساجد والمدارس والأضرحة والمباني المدنية بالأدعية والابتهالات الدينية والأشعار المكتوبة بصورة منمَّقة على الخزف والمعدن والخشب والجص والحجر. وقد سمح ذلك بتقريب النصوص لأولئك الذين لم يكن لديهم حظ في امتلاك الكتب، إضافة إلى تزيين الأبنية في الوقت ذاته مع تجنب التصوير الرمزي بقدر الإمكان. إلا أن ذلك الأخير لم يكن أبدا غائبا تماما عن الفن الإسلامي، وتبرهن على ذلك الصور الجدارية بالقصر الأموي “قصير عمرة” (الأردن) ومشاهدها الحية المأخوذة من الحياة اليومية، وكذلك المنمنمات الفارسية والتركية والأغراض الخزفية والصناديق الصغيرة العاجية وقطع الرخام الأندلسية.

ومع ذلك، فإن الكتابات الخطية، إلى جانب التصاوير النباتية والزخارف الهندسية المتشابكة والمقرنصات، كانت بلا شك هي السمة الزخرفية بامتياز للفن والهندسة المعمارية الإسلاميين في كافة الأرجاء. أما فيما يتعلق بغرب دار الإسلام، فسرعان ما تغطت المباني المدنية والدينية بزخارف كتابية جميلة على مختلف أنواع المواد. في البدايات فرض أسلوب الخط الكوفي نفسه، إلا أنه شهد ابتداءً من عصر الموحدين تطورا واضحا، ليتحول بذلك إلى الخط النسخي.

ومن بين أمثلة المعالم الأثرية الإسبانية المزينة بالنقوش الكتابية من مختلف الأنماط تبرز مدينة الزهراء في قرطبة وقلعة مونتياغودو في مرسية و”الكاثار” (القصر) في اشبيلية وقصر الحمراء في غرناطة، إنها آثار مزدانة بنقوش بارزة تحمل أشعار ابن الجياب (1274 م.- 1349 م.) وابن الخطيب (1313 م.- 1375 م.) وابن زمرك (1333 م.- 1393 م.).

واستخدمت أعمال الهندسة المعمارية المدنية والدينية في المغرب، من جهتها، فنون كتابة الخط باستفاضة. ولدينا الدليل على ذلك في مبان معينة تعود لعصر الموحدين مثل مسجد القصبة في مراكش، الذي كانت مئذنته مكسوة جزئيا ببلاطات من القيشاني تزينها كتابات بالخط الكوفي، وكذلك جامع القرويين في فاس، الذي زينت الكتابات قبابه وأفاريزه الخشبية والصفائح البرونزية الموجودة على أبوابه. وتتسم المدارس والمنازل المرينية أيضا بالثراء في زخارفها من النقوش الكتابية على الجص والتكسيات القيشانية والسواكف الخشبية. وهناك أوجه تشابه واضحة بين أسلوب كتابة الخط المريني، الانسيابي والنسخي، ونظيريه النصري والمدجن اللذين تطورا على التوازي معه في إسبانيا.

وقد زُينت السلع الترفية أيضا، مثل المجوهرات والصناديق الصغيرة والأقمشة والأدوات المنزلية، بنقوش كتابية متقنة تروي المدائح والأقوال المأثورة. ولم تفلت بلاد الأندلس والمغرب العربي من تأثير هذه النزعة، فقام الحرفيون بنقش زخارف خطية جميلة على المحابر ووحدات القياس وصناديق حفظ نسخ القرآن الكريم والأسطرلابات المصنوعة من مختلف أنواع الخلائط المعدنية. في بعض الأحيان كانت الكتابات بكل بساطة لأغراض زخرفية أو وقائية، بينما كانت في أحيان أخرى، كما هو الحال في الأسطرلابات وغيرها من أدوات القياس الفلكية، تنفع في توفير المعلومات اللازمة لإجراء عمليات الحساب. وكثيرا ما زُينت المجوهرات بعبارات مكتوبة تمثل أشعارا أو أدعية دينية تحمل بين جنباتها التسابيح. ولكن في حالات أخرى، كان الأمر يتعلق فقط بتوقيع الفنان أو ذِكر لمنشأ القطعة. وكانت النقوش المكتوبة تُصنع على النحاس، وكذلك على الفضة والذهب وخلائط معدنية أخرى كانت مطلية بالميناء أحيانا، وتُظهر درجات متباينة من العناية والتفنن.

ومع تطور الدولة والإدارة، كانت هناك ضرورة لسك عملة عليها نقوش كتابية، وكتابة المعاملات والقوانين، وكذلك التوقيع على وثائق معينة. وكانت القطع النقدية والدراهم والدنانير و”الدنانير المرابطية” تبيِّن كتابةً مكان إصدار تلك المسكوكات وكذلك إسم السلطان الذي تم سك العملة في عهده وصيغ دينية معينة مثل البسملة أو التصلية أو الشَّهادة. أما فيما يتعلق بالوثائق الإدارية والحجج والعقود الموثقة، فبالإضافة إلى صياغتها على الورق كانت تُكتب في بلاد المغرب حتى عقود خلت على عظم لوح كتف الحيوانات أو على ألواح من الخشب، على غرار تلك التي كانت مستخدمة في المدارس القرآنية التقليدية.

ومنذ عهد الامبراطورية العثمانية، اصطُلِحَ على عادة التوقيع على مراسيم ووثائق معينة باستخدام أختام من المعدن كانت تَنسَخ بالخط الديواني ما يُعرف بالطُغْرَة، وهي العلامة الامبراطورية لسلطان ذلك العهد. وعرف المغرب أيضا، في عهد الأسرة العلوية، هذا النوع من التوقيعات الملكية واستُحدِثت لها أختام معدنية كانت تطبع توقيع السلطان.

وكانت الأضرحة وشواهد القبور مهمة في العالم الإسلامي بالعصور الوسطى، وكان يُُستخدم فيها النقش على الحجر والرخام على نطاق واسع لتسجيل كتابات رثائية على الضريح أو الشاهد تخليدا لذكرى المتوفى. ولم تكن النصب التذكارية من شواهد القبور الأندلسية التي عثر عليها في إسبانيا قليلة، وخاصة في مدينتي اشبيلية وطليطلة. وحدث الشيء نفسه في بلاد المغرب، حيث توجد واحدة من أبرز القطع الأثرية، وهي شاهد قبر السلطان المريني أبو يعقوب يوسف (1286 م.- 1307 م.) الذي عُثر عليه في مقبرة شالة (الرباط) والمنقوش بالخط النسخي. ومن المثير للفضول أن الوجه الآخر لهذا الشاهد روماني، ومخصص لتخليد ذكرى أحد حكام أراضي الأندلس في ذلك العصر القديم.

وقد شهدت أدوات وأواني المطبخ والمائدة أيضا بلوغ فن الخط ذروته كعنصر زخرفي، وخاصة في الخزفيات، وتوضح ذلك الأطباق الإيرانية الفائقة الجمال التي تعود للقرنين التاسع والعاشر الميلاديين، وكذلك الخزف ذو اللونين الأخضر والمنغنيزي الموجود بمدينة الزهراء في قرطبة أو ذو البريق الذهبي في باتيرنا (بلنسية) وغرناطة.

من خلال تلك الأمثلة وغيرها، التي يمكن مشاهدة بعضها في معرض “قلم، فن الكتاب”، يتبين أن فن كتابة الخط – فيما هو خارج عن نطاق الكتب – قد شكَّل جزءً من الحياة اليومية في العالم الإسلامي منذ بداياته الأولى، بصفته إحدى إسهامات الفن الإسلامي الأكثر أصالة.